الفصل الرابع
في الصباحات الباكرة، حين يكون القصر غارقًا في النوم، كانت تخرج من جناحها بخطى خفيفة، تفتح الباب الجانبي الذي لا يطرق، وتمشي في الممر الخلفي المؤدي إلى الإسطبل...
كانت كل يوم تذهب ل "عسل" الفرس التي التقتها سابقا و التي علمت من طرف سعيد أنها أنثى و ليس حصان .. رغم أن الفرس كانت متمردة و عنيدة الا أنها كانت كل مرة تحاول معاها .... الى ان أصبحتا صديقتين .... أسمتها عسل و في نفس الوقت كانت تقضي وقتا مع سعيد ذلك الشاب الذي اكتشفته أنه شخص مرح ... و قد أبعد عنها القليل من الملل الذي تشعر به في هذا القصر ... عرفته سابقا عن مكانتها في هذا المكان ... فقد أحست انه شخص طيب ...
كان القصر ساكنًا كعادته في الصباح الباكر، حين لا يُسمع سوى تغريد العصافير وصوت خطوات الخدم الخافتة.
فتحت عشق باب جناحها ببطء، نظرت يمينًا ويسارًا، ثم خرجت. كانت ترتدي فستانا مورد ، شعرها مربوط على عجل، وعيناها تلمعان بحذر واندفاع طفولي.
سارت في ممرٍّ جانبيٍّ نادرًا ما يُستخدم، تمرّ بجانب السلم الحجري القديم، ثم تخرج من الباب الخلفي الصغير، الذي يفتح مباشرةً على الممر المؤدي للإسطبل.
كانت تعرف الطريق جيدًا. لم تكن هذه المرة الأولى.
حين وصلت إلى الإسطبل، كان " سعيد " منهمكًا في تنظيف أحد السروج، فانتفض عندما رآها:
ـ "يا ساتر! انتي تاني ؟!"
وضعت إصبعها على شفتيها:
ـ "ششش… ماتزعقش! محدش عارف إني هنا."
ـ "طب إزاي يا هانم؟ لو آسر بيه عرف انك بتيجي هنا ... ده ممكن ينسفني من القصر!"
ضحكت بخفة وهي تحاول اقناع نفسها أكثر من اقناعه:
ـ "مش هيعرف… وأنا مش بعمل حاجة غلط على فكرة ، انا بس زهقت من القعدة لوحدي ."
اقتربت من " عسل "، الفرس البيضاء، مدت يدها إليها برفق، فاقتربت الفرس دون تردّد.
قال سعيد وهو يراقبها:
ـ "واضح إنها اتعلّقت بيكي خلاص.كانت عنيدة جدًا، دلوقتي بتسكت أول ما تشوفك.""
ردّت عشق وهي تربّت على عنقها:
ـ "وأنا كمان… بحسها بتفهمني أكتر من ناس كتير هنا."
جلس سعيد على حافة حجرة الخيل، وقال بنبرة فضول طفيفة:
ـ "بس ليه بالسر؟ يعني إيه اللي بيخوفك كده؟"
نظرت عشق نحوه، ثم قالت بهدوء:
ـ "آسر مش بيرضى حد يشوفني… أو يلمح طرفي ."
صمت سعيد، ثم قال:
ـ "الغيرة دي ممكن تخنق، يا هانم."
نظرت إليه، وكأنها تفكّر للحظة، ثم ابتسمت وقالت:
ـ " غيرة ايه هو بس بيخاف عليا بيقولي ان الناس وحشة ."
ثم أمسكت بزمام " عسل "، وأخذتها بخطى هادئة نحو الساحة الصغيرة داخل الإسطبل، تنوي أن تركبها… ولو لدقائق.
وقبل أن يُكمل أحدهما الكلام... او حتى تركبها
انفتح باب الإسطبل فجأة.
دخل آسر.
مظهره كان مختلفًا قميص أسود، أكمامه مرفوعة، خطواته سريعة، عينيه متجمّدة، ثابتة على "عشق".
سكون لحظة واحدة، لكنّه كان سكون العاصفة.
قال بصوت خافت... لكنه يحمل نصلًا:
ـ "عشق."
استدارت بسرعة، وكأنها ضبطت في جرم لم تنتبه له.
ـ "آسر... أنا بس..."
قاطعها بنبرة مشدودة:
" تعالي هنا "
اقترب، عيناه تنتقلان بينها وبين سعيد ، الذي تراجع خطوة للخلف في حذر.
يحس أنه سينفجر كل جسمه يرتعش و هو يلاحظ ما تلبسه كيف لها ان تخدعه هكذا؟ كيف تسمح لشخص أو بالأحرى لرجل أن يلمح خيالها و هو الذي أصر على يخفي جنس ذكر من مرأها ...
بدأت تتراجع عشق بتوتر وهي تحاول أن تبقى هادئة:
ـ "أنا ما عملتش حاجة غلط... سعيد موجود، والإسطبل جوه القصر، مش خرجت ولا..."
توسعت عيناه بغضب أسود :
سعيييييد !!!! مين سعيد ؟؟؟ انت ازاي تخرجي من اوضتك ، بتغفليني يا عشق دي ثقتي فيكي ...
قال سعيد بخفّة مرتبكة، محاولًا تلطيف الموقف:
يا بيه ماحصلش حاجة لكل ده ، يعني الخيل هادي، والمكان آمن..."
آسر لم يُمهله.
ضربه بكفّه على وجهه ضربة دوّت في المكان.
سقط سعيد على الأرض، يتّكئ على يده، وجهه ينزف من زاوية الشفة.
صرخت عشق:
ـ "آسر! ؟!!"
لم يلتفت لها، عيناه بقيتا مسمّرتين على سعيد و هو يرتعش:
ـ "مين سمحلك تكلّمها؟ مين؟! أنا محذر أي حد محدّش يقرب منها... محدّش حتى يلمحها!"
وقف سعيد بصعوبة، مذهولًا، مرتبكًا، تمتم:
ـ "أنا آسف... أقسم بالله ما قصدت أي حاجة غلط."
صرخ آسر وهو يركله على بطنه :
ـ "إنك تشوفها غلط أصلاً! ..
ليكمل عليه بركلات متتالية على مستوى جسمه من ينظر له من بعيد يجزم أنه فقد عقله كانت عشق ترتعش من الخوف و هي تبكي بانهيار
لم يستطع أحد من الخدم القدوم له خوفا أن يلقوا نفس المصير ... الى أن حضر عمه و امه حاولا دفعه عن ذلك الشاب الذي أصبح مدمى و من المحتمل أنه لقي حدفه من كثرة الضرب الذي تعرض له ....
جدبته أمه و هي تصرخ في وجه:
" اسر انت اتجننت فوق لي نفسك انت موت الولد "
لم يلقي بالا لما قالته له والدته بل اقترب من عشق التي قربت من الاغماء حاولت الهروب عندما رأت نظرة البطش التي تفتك بها ... ليلحق بها حاملا اياها بيد واحدة من بطنها كأنها لا تزن شيئا و هي تركل برجليها خوفا منه ...
رحل بخطوات مسرعة وورائهما أفراد أسرته يحاولون معه ترك الفتاة التي تصرخ ملئ شدقيها ...
وصل بها الى جناحه ليدخل و هو يلقيها على السرير بقوة ...
تقدم منها و هو يمسك بفكها بصراخ صم أذنيها :
" بتعصي اوامري يا عشق دي اخررررررتها "
ارتعشت عشق و هي تغمض عينيها خوفا من عينيه ...
و هي ترى تحوله الذي لم تشهده منذ نعومة أظافرها فآسر دوما كان بالنسبة لها الواجهة الباردة الرزنة ...
لكن هيهات يا فتاة أنت معذورة فأنت لم تجربي إعصاره المدمر و خصوصا غيرته ....
أمسك معصمها بسرعة، و هو يرجها من الخلف الى الأمام وقال من بين أسنانه:
ـ " انا حرّمت كل راجل يبص لك! حتى لو صدفة... حتى لو من غير قصد!" و فالاخر تروحي من ورايا تقابليه ... "
نظرت إليه، بعينين مرعوبة ، وصوتها يرتعش:
أنا ، انا رحت بس للخيل أقسم بالله يا آسر كنت بس عاوزة أركبها شوية "
استكملت كلامها بسرعة بوعد :
" بس بس احلف لك دي اخر مرة اقسم بالله أخر مرة أخرج من القصر بس كفاية انا تعبت "
لتعاود وصلة بكائها الذي بدأ يستوعبها فهو في الأول لم يكن في وعيه من كثرة غضبه ....
أعطى ظهره لها و هو يضع يده على شعره الذي أراد اقتلاعه من منابته من كثرة الأعصاب ... حاول تمالك نفسه الى ان مشهدها و هي في الاسطبل يزيد من غضبه و رغم ذلك لا يريد تخويفها أكثر من ذلك ...
التفت لها لتقفز من مكانها امسكها من منابت شعرها بخشونة قليلة قائلا من تحت ضروسه الطاحنة:
" أقسم بالله يا عشق لو اتكررت و خرجتي لمكان من دون علمي لا هعاقبك "
تركها ليلتفت مرة ثانية و هو يزفر بخشونة واضعا يديه على خصره قائلا بصوت مكتوم :
" روحي لجناحك"
ليكمل بصراخ حينما لاحظ سكونها :
" بسرعة "
قفزت من فوق سريره لتخرج من جناحه فوجدت أمه و عمه و ربى واقفون و قبل أن تبادر السيدة في سؤالها ... سمعوا صوت تكسير ...
.
كان صدره يعلو ويهبط كوحشٍ ضارٍ لم يجد فريسته.
وقف في منتصف الغرفة، يداه مشدودتان، فكّه يضغط بقوة، وعيناه تتوهّجان بنار لا يطفئها شيء.
مرّت أمامه صورة عشق…
ضحكتها وهي تمسك بالفرس، نظرتها وهي تتحدث لذلك الفتى في الإسطبل…
سعيد ! اسمه حتى يثير اشمئزازه.
ـ "كانت هناك… كانت هناك وبتضحك… وبتتكلم معاه!"
صرخ فجأة، بلا تحكّم:
ـ "مافيش راجل يبص لها! ما حدش يشوفها! ما حدش يلمس الهوا اللي حواليها!"
ركل الكرسي القريب فاندفع واصطدم بالجدار.
أمسك بمزهرية زجاجية، وألقاها بقوة على الأرض، فتناثرت شظاياها في كل اتجاه.
اقترب من الطاولة الجانبية، دفعها دفعة واحدة، سقطت الكتب والتحف الصغيرة، وارتطم الخشب بالأرض.
ثم… وقف.
يده ترتجف، ونَفَسه مضطرب، وقلبه لا يهدأ.
تقدّم نحو النافذة، فتحها بعنف، وكأنّه يختنق من جدران الغرفة…
عشق كانت هنا… تركت في الهواء أثرها.
قال بصوت مبحوح، موجّهًا حديثه للفراغ:
ـ "هي مش فاهمة… مش فاهمة إني بغير عليها حتى من نفسي…"
ثم سقط على الأريكة، مدّ يديه الملطختين بالدماء فقد غرس الزجاج في يديه حينما حطم المزهرية الزجاجية إلى وجهه، وأخفاه بين كفّيه...
كان الصوت الوحيد في الغرفة… هو أنينه المكتوم،
ذلك الأنين الذي لا يجرؤ على أن يسمعه أحد...
ركضت عشق عبر الممرات…
وجهها شاحب، أنفاسها متقطعة، ويداها ما زالتا ترتجفان، لا تدري إن كان من الخوف… أم من الغضب… أم من شيء أعمق.
لم تلتفت لأي أحد…
لا للدادة التي نادتها بخفوت، ولا لعيني الخوف التي تتبعها.
كانت تركض هاربة، لا من الإسطبل فقط… بل من كل ما اختنق في صدرها منذ سنين.
فتحت باب جناحها بعنف… ثم أغلقته وراءها بسرعة.
أسندت ظهرها إلى الباب… وانهارت.
تسلّلت شهقتها الأولى… خافتة، كأنها لم تتعلّم البكاء بصوت من قبل.
ثم تبعتها دموع ثقيلة، حارّة، ظلت تسيل على خديها دون توقّف.
ركضت إلى السرير، وجلست على الأرض إلى جواره، تضمّ ساقيها إلى صدرها، كطفلة تركها العالم وحدها.
همست وهي تبكي، بصوت مكسور:
ـ "أنا مش لعبة… مش حاجة تتخبّى… أنا بشر! أنا نفسي أعيش..."
دفنت وجهها في ركبتيها، وبكت كما لم تبكِ من قبل.
كل لحظة سيطرة، كل صمت، كل تجاهل، كل مرة شعرت أنها "شيء" محبوس في قصر ضخم… انفجر في تلك اللحظة.
ـ "هو ليه بيعمل معايا كده … هو بس عايز يحتفظ بيا… زي ما بيحتفظ بالمفتاح!"
خبطت بيدها على الأرض، وارتجفت:
ـ "أنا مش بخاف منه… بس تعبت… تعبت من نظراته… من تحكماته اللي بقيت بتخنقني."
ظلّت عشق جالسة على الأرض، عند طرف سريرها، تبكي في صمت ثقيل، لم تحاول حتى أن تمسح دموعها…
كانت تنهمر منها كما لو أنها تُغسل من الداخل.
وما هي إلا لحظات، حتى فُتح الباب برفق…
دخلت ربى دون طرق، حاملة بيدها وشاحًا خفيفًا كانت تنوي أن تعطيه لعشق، لكنها تجمدت ما إن رأت المشهد أمامها.
ـ "عشق…؟!"
رمت الوشاح على الكرسي، وركضت نحوها بسرعة.
انحنت على الأرض، وضعت يدها على كتفها، ثم سحبتها بحنان:
ـ "مالك يا قلبي؟ هو انت لسه زعلانة من اللي حصل ؟!"
رفعت عشق رأسها بصعوبة، وجهها مُنتفخ، عيناها محمرّتان، وصوتها بالكاد خرج:
ـ "مش قادرة… يا ربى… تعبت."
ربى احتضنتها فورًا، دون أن تسأل، فقط ضمّتها إلى صدرها، ومرّرت يدها على شعرها بهدوء:
بس يا عشق شوفي عينيكي ورمت إزاي هو اسر ضربك ؟؟
همست عشق بصوت مرتجف:
ـ "آسر... بيخنقني… بيحاصرني بنظراته... بغضبه... بيمنعني من الدنيا… من كل حاجة."
شهقت ربى بصمت، ثم قالت برقة:
ـ "هو بس بيخاف عليكي يا خايبة … وبيحبك بطريقته انت ناسية انو هو اللي مربيكي
ردّت عشق بمرارة:
"ما هو بيحبك إنتي كمان بس انت بيخليكي تعملي كل لي نفسك فيه ... ربى أنا حاسة كأنه زهق من مسؤوليتي .."
أخذت ربى وجهها بين راحتيها، ونظرت في عينيها مباشرة:
" إنت بتقولي ايه اوعي أسمعك تقولي الكلام ده تاني اسر والله بيحبك ده أنا ساعات بغير منك من كتر اهتمامه بيكي "
انهارت عشق مجددًا في حضنها، تبكي بحرقة:
ـ "أنا خايفة… خايفة من اللي جوايا… وخايفة منه."
ربى تمسّكت بها أكثر، وهمست:
"مافيش حاجة تخوف يا حبيبتي هي ساعة غضب و هاتشوفي بنفسه هيجي يصالحك "
وساد الصمت بينهما… صمت دافئ، مملوء بالحب الحقيقي،
صمت لا يوقف الدموع… لكنه يخفّف وجعها.
بعد قليل تركنها ربى بعدما استلقت عشق في سريرها و خلدت الى النوم ... فقد تعبت من كل هذه الشحنات السلبية ...
توجهت لأمها لتنقل كلام عشق و احساسها ....
---في المساء، دخلت والدته مكتب آسر دون أن تطرق الباب، كما اعتادت .
كان وجهه جامدًا، لكن عينيه مثقلتين بتعب غريب.
كان اسر جالس على كرسيه يقرأ ملفا نظرت الى يديه الملفوفة بضماد ... رفع رأسه بهدوء ونظر إليها.
لم تتكلم، لكنها أدركت من ملامحه أن شيئًا ما ليس على ما يُرام.
جلست دون أن تقول كلمة، أسندت ظهرها للكنبة، .
قالت بهدوء، ودون أن ترفع صوتها:
ـ " أقدر أفهم اللي حصل في الإسطبل."
لم يرد.
ـ "و كمان عشق قافلة على نفسها … ما خرجتش من أوضتها."
ارتعش لسماعه ذلك ثانية ثم فتح عينيه ببطء، ونظر إلى الأرض، صوته خرج خافتًا:
ـ "ما كانتش المفروض تبقى هناك."
ـ "وإنت كنت مفروض تضرب السايس وتزعق وتخوفها؟!
هو دا أسلوبك؟"
زفر آسر بقوة، ثم قال بلهجة مشوشة:
ـ "أنا… ما كنتش قادر أشوفها قدام حد غيري."
نظرت إليه والدته بحدة، ثم اقتربت وجلست مقابله مباشرة:
ـ "أنت مش شايف يا آسر… إنك بتحبس البنت؟
بتعاقبها لأنها حلوة؟ هي مش ذنبها على فكرة ؟!"
نظر إليها، بعين فيها شرارة وجع:
ـ "أنا بحبها و بغير عليها ."
تنهدت والدته قائلة بهدوء :
" أنا عارفة يمكن من قبل ما انت تعرف "
أكملت بسرعة:
ـ "بس الحب يا ابني مش سجن… ولا صوت عالي… ولا خوف.الحب اللي فيه عدم ثقة … مش حب."
صمت آسر، كأن الكلمات ضربته من الداخل.
ثم قال بصوت مبحوح:
ـ "أنا مش عارف أسيطر على نفسي… لما بشوفها، لما بحس إنها ممكن تبعد… بيحصلي حاجة…"
مدّت السيدة عايدة يدها، ووضعتها على يده:
ـ "الحاجة اللي بتحصل دي اسمها خوف.والمشكلة إنك لو فضلت تخاف تخسرها… هتخسرها فعلاً."
سحب آسر يده ببطء، ونظر إلى الفراغ:
ـ "هي بتكرهني دلوقتي… صح؟"
قالت الأم بهدوء:
ـ "هي مش هتعرف تحبك بالشكل دا.بس انا متأكده لسه ما كرهتكش…
حلّ الليل، وبقي جناح "عشق" غارقًا في سكون ثقيل.
لا ضوء سوى ذاك الخافت القادم من الأباجورة الصغيرة عند طاولة الكتب.
كانت تجلس على طرف سريرها، تحتضن وسادة، وشعرها مفكوك، متعب كروحها.
طرق الباب.
مرّة…
ثم ثانية.
لم تجب.
ثم دُفع الباب بهدوء…
ودخل آسر.
وقف عند العتبة، لا يحمل شيئًا في يده…
إلا نظرة غريبة، مترددة، فيها شيء من الألم.
نظر إليها…
وهي لم تتحرك.
قال بهدوء، وصوته أقرب للهمس:
ـ " قافلة على نفسك اوضتك ليه ."
لم ترد.
أكمل وهو يقترب خطوة:
ـ " و مش راضية كمان تتعشي … ."
رفعت رأسها أخيرًا، نظرت إليه بنظرات مكسورة، لكن ثابتة:
ـ " جيت ليه ؟"
ابتلع ريقه، ثم قال:
ـ "مش قادر أنام…مش عارف أتنفّس من ساعتها."
قامت ببطء، واقتربت منه حتى وقفت على بعد خطوتين، وقالت:
ـ "أنا تعبت ، يا آسر."
هزّ رأسه بخفة، صوته انكسر للحظة:
ـ "وأنا تعبت من نفسي."
نظرت إليه مطولًا، ثم قالت بوضوح:
ـ "أنا مش مسخ تتخبى في قصر.مش ظلّ…."
اقترب خطوة أخرى، عيونه حمراء :
ـ " يا ريت تعرفي انت بالنسبة لي ايه ."
سكتت عشق للحظة، بين الرغبة في الصراخ… وبين ضعف قلبها نحوه.
فجأة، مدّ يده في جيبه ، وأخرج صندوقًا صغيرًا مخمليًا.
فتحه أمامها…
فيه قلادة رقيقة جداً، بسيطة، ولكن على طرفها حجرة من حجر الفيروز… ذات لمعة هادئة.
قال بصوت خافت:
"لما سافرت اسبانيا شوفتها و فكرت ف لون عينكي لما بتكوني سعيدة بتقلب خضرا كمان الست اللي باعته لي قالت إن الحجر ده بيطرد القلق والخوف."
ثم أضاف:
ـ "لو خدتيها…هتبقى علامة…
إنك لسه بتح….. بتعزيني ...حتى لو مش مسمحاني."
نظر إليها…
وانتظر.
نظرت عشق إلى القلادة في يده،شعرت بثقل المشاعر يتدفق في صدرها بين دفء اللحظة وبرودة واقعها.
مدّت يدها ببطء، وأمسكت بالصندوق، لم تبتسم ولا انزعجت، فقط نظراتها كانت تائهة، مليئة بالحيرة.
رفعت عينيها نحو آسر، وترددت قليلاً قبل أن تقول بصوت خافت:
ـ " بجد كنت جايبها ليا ؟"
أومأ هو بهدوء، والصمت يملأ المكان.
ثم أمسكت القلادة، ورفعت الحجر بين أصابعها، كأنها تلمس شيئًا ثمينا من حيث المعنى أكثر من القيمة .
قالت بحذر:
ـ "يمكن هحتاج لها عشان أطمن و اوقف الأفكار اللي جوا دماغي "
نظر إليها آسر، وكأن قلبه يرتاح قليلاً لرقتها هذه.
همس:
ـ "وأنا جنبك… مش لوحدك."
التفت وراء ظهرها و هو يمسك القلادة منها قائلا بصوت مبحوح :
" ارفعي شعرك شوية عايز أحطها فرقبتك ..."
رفعت شعرها الطويل ليبتلع ريقه و هو يلمح عنقها الأبيض بحمرة خفيفة كم تمنى أن يوشمه بقبلاته الحارة أغمض عينيه ....ثم اقترب بخطوات هادئة،
مدّ يده بحذر نحو القلادة التي تحركت قليلاً بين أصابع عشق،
نظراته مركزة، قلبه ينبض بعنف خلف صدره، لكنه يحاول أن يظهر هدوءًا.ثم رفعها برفق إلى عنقها، وبدأ يضع السلسلة برقة غير متوقعة من شخص خشن لكن في حضرتها أرق....
اشتم عطرها عطر الياسمين الذي يعشقه و بثقل التفت أمامها اقترب وجهه من وجهها قليلاً،
وشعر بأن أنفاسهما تلتقي،
لكن عينيه لم تفارق عنقها ثم نزل لموضع صدرها حيث تلامس القلادة
همس بصوت منخفض، يملؤه الحنان:
" السلسة زادت حلوتها عليكي ... "
خجلت عشق من كلامه لتنخفض عينيها و كالعادة عندما تغيب نظرتها عنه ينزعج ليرفع ذقنها و هو يحاول اشباع عينيه من حلاوتها تركزت نظراته على شفتيها و كم تاق ارتشاف قبلة مسكرة منها ... يكاد يقسم أن قبلة واحدة منها سوف تثمله ...
خاف من أفكاره ليتململ في مكانه و هو يسعل ليجلي صوته :
"أنا هقول لدادة حليمة تبعت تجيب ليكي العشا و لو قالت لي انك ما اكلتيش هعاقبك"
ثم خطى خطوات رزينة أوقفتها عند سماع انزعاجها الطفولي المحبب :
"اووف كل مرة هعاقبك هعاقبك و مش بتعاقبني انت بتضحك عليا "
ابتسم ابتسامة حلوة نادرا ما يتكرم باظهارها قائلا في نفسه :
" أنت لو شوفتي عقابي ليكي احتمال تموتي بين ايديا "
ليعض على شفاهه و يكمل من خلف ظهره :
" يالا اسمعي الكلام و نامي ما تسهريش ... "
ليغلق الباب و هي تنبش الأرض برجلها احتجاجا على اوامره لتذعن بيأس :
" حاضر حاضر"
يتبع
تعليقات
إرسال تعليق