الفصل الأول
شموس الصباح الأولى كانت تتسلل بخجل عبر ستائر القصر الكبيرة، ترسم على جدرانه البيضاء خطوطًا ذهبية ناعمة.
في تلك اللحظات الهادئة، كان الهواء مشبعًا برائحة الندى وأزهار الياسمين التي تحيط بحدائق القصر، تعبق بالحياة رغم كل ما يحمله الصمت من أسرار.
داخل القصر، وقف آسر عند النافذة، عينيه تتحركان بتركيز بين الحقول الممتدة وأفق القرية الذي لا يُخفي سرًّا، لكن عينيه تحملان بحرًا من الألغاز.
كان طويل القامة، عريض الكتفين، يحمل في ملامحه وسامة مهلكة تأسر الأنظار، لا يُحب الكلام كثيرًا، صوته قليل لكنه يُسمع كالرعد حين يصدر الأمر.
أدرك كل من في القرية أن آسر هو سيد هذا المكان، نفوذه يمتد كالجذور في الأرض، لا ينازعه أحد، لكن القليل فقط يعلم أن وراء هذا الجدار الصلب يخفي قلبًا يتلوى بين حبّ مكبوت وألم عميق.
وُلد آسر في عائلة ذات سلطة ونفوذ راسخ، فجده كان مالك القرية، ووالده هو الرجل الذي يُحسب له ألف حساب، صاحب الأراضي الواسعة والكلمة المسموعة.
رغم هذه البيئة التقليدية، آسر اختار طريقًا مختلفًا.
سافر مبكرًا إلى أمريكا، حيث أكمل دراسته الجامعية، وبدأ خطواته الأولى في عالم المال والأعمال، وهناك تشكّلت ملامح شخصيته المستقلة، الباردة أحيانًا، والواثقة دومًا.
بعد سنوات من الغربة، عاد إلى مصر، وأسس شركته الخاصة في القاهرة، ليبدأ رحلته في بناء إمبراطورية بعيدة عن ظل والده.
إلا أن العلاقة بقيت قائمة، فكان يزور والديه من حينٍ لآخر في القرية، دون أن يتورط في الشؤون العائلية أو إرث القرية....
لم يكن يتوقع أن يعود إلى القرية إلا زائرًا عابرًا، لكنه عاد ذات يوم ليجد النعش ينتظره...
رحل عبد الرحمن الشريف، وترك خلفه اسمًا ثقيلًا، وإرثًا أكبر من أن يُحمل بلا انكسار.
في لحظة، تغيّر كل شيء...
وجد آسر نفسه الابن الوحيد لهيبةٍ لا تموت بموت صاحبها، واضطر لأن يحمل اسم "الشريف" ليس فقط كرجل أعمال، بل كعمدة القرية.
ورغم أن قلبه لم يكن يومًا متعلّقًا بتلك الأرض، إلا أن الدم لا يُكذّب.
تسلّم زمام الأمور ببرود رجل يعرف كيف يُدير، وبقلبٍ لم يشفَ بعد من غربة روحه... و هكذا انقسمت أعماله مابين الأرض و امبراطوريته .....
وفي زواية القصر، كانت عشق تُجهّز نفسها ليوم جديد.
عيناها تتلألأان كقطرات الندى على أوراق الزهر، شعرها الأسود ينساب بحرية، يصل تحت مؤخرتها بعدة سنتيمترات وبشرتها الناعمة البيضاء بخدودها الوردية تشع حياة رغم ماضيها المليء بالوحدة.
كانت هادئة، تملك نبرة صوت تخطف القلب حين تتحدث، ناهيك عن عيونها الرمادية تسحر أعتى الرجال
لبست فستان باللون الوردي انساب على منحيناتها ... كانت "عشق" تملك قوامًا لا يُشبه معايير النحافة المتعارف عليها، بل تخطّاها بجاذبية طاغية وملامح أنثوية آسرة.
جسدها ممتلئ بنعومة، تُشكّل منحنياته لوحة أنثوية على هيئة ساعةٍ رمليّة، تبدأ بانحناءة خصرٍ ضيق تنساب منه تقاسيم تنطق بالأنوثة، وتنتهي بوقفةٍ واثقة لا تعرف الانكسار.
لم تكن بحاجة إلى زينةٍ تُبرزها، فكلّ تفاصيلها كانت كافية لتسرق الأنظار وتُربك القلوب، بدءًا من التمايل الطبيعي في خطواتها، وصولًا إلى نظرتها التي تحمل شيئًا من البراءة... والكثير من السحر .
اكملت تصفيف شعرها ا الأسود الكثيف بأنامل هادئة، تنساب خصلاته على كتفيها كأنها خيوط حرير انسكبت من ليلٍ طويل ....
انحنت قليلًا تُعدّل خصلتين جانبيتين، ثم رفعت عينيها إلى المرآة تتأمل انعكاسها بصمت .
قطع شرودها صوت الطرقات الخفيفة على الباب، تبعها دخول "حليمة"، الخادمة العجوز التي رافقتها منذ الصغر.
قالت حليمة بنبرة حنونة :
ـ عسليتي إنتي صحيتي ، انزلي بقى الفطار جاهز تحت، و آسر بيه قاعد مستني.
التفتت عشق ببطء، ثم ابتسمت ابتسامة قصيرة وهي تهز رأسها:
ـ جاية يا دادة ... هانزل حالًا.
همّت الخادمة بالخروج، لكنها توقّفت عند الباب، وأردفت بنبرة خافتة لم تسمعها :
ـ النهاردة وشّك منوّر ماشاء الله … ربنا يستر من نظرة سيادة البيه.
سمعته، نبرة الأمر المعتادة .
حركت شفتيها بابتسامة خفيفة، وخرجت من غرفتها لتلتقي بـ آسر ....
كانت طاولة الإفطار عامرة بأصناف الطعام، تفوح منها راوئح زكية والخبز الساخن، ويمتزج دفء الشمس المتسلّلة من النوافذ برائحة الشاي بالنعناع.
جلست "الحاجة عايدة"، والدة آسر، على الطرف الآخر من الطاولة، بوجهها الطيب الذي لا يفارق الابتسامة.
إلى جوارها كانت "رُبى"، أخت آسر الصغرى، في العشرين من عمرها، مرحة، سريعة الكلام، بعينين فضوليتين تتابع كل حركة بين الموجودين .
بينما جلس "العم جابر"، شقيق والده الراحل، إلى اليسار، رجل ستيني بوجه عبوس دائم، تحاوطه نظرات زوجته "رقية"، التي كانت تنظر إلى عشق ببرود خفي، كعادتها.
كان آسر جالسًا على رأس الطاولة، كعادته، لا يتحرك كثيرًا ولا يتحدث كثيرًا، لكنه يحتل المكان بهيبته دون جهد.
يرتدي جلبابًا رماديًّا بسيطًا، لكن بساطته عليه كانت تُشبه الفخامة الصامتة، كأنّ القماش يُدرك لمن ينتمي فيأخذ من حضوره وقاره.
طويل القامة عريض المنكبين، معتدل الجلسة، يضع يديه أمامه بهدوء يوحي بالثقة، وتلك العروق الظاهرة على ساعديه تُعلن عن قوة لم تُستهلك بعد.
وجهه صارم الملامح، تغلّفه لحية خفيفة مشذّبة بدقة، تزيد من وسامته التي لا تخطئها عين، وعيناه...
عيناه كانت أكثر ما يُربك؛
ساكنتان، داكنتان، كأنهما تحويان كتابًا مكتومًا لا يُمكن قراءته، لكن كل من يحدق فيهما يشعر أنه يذوب دون صوت.
وحين دخلت "عشق"، لم يلتفت كليًا، فقط حرّك بصره نحوها في نظرة خاطفة، أعاد بها ترتيب نبضه ثم قال، بصوته الأجش العميق:
ـ اتأخرتي.
رفعت "عشق" عينيها إليه، فوجدته كما هو دائمًا… صامد، صامت، لا شيء في ملامحه يدل على ما يدور في داخله.
ابتسمت ابتسامة خفيفة كمن يمسك على نفسه ضحكة صغيرة، ثم ردّت بهدوء:
ـ كنت بصحصح لسه…سَهرت شوية عشان كنت بقرأ رواية… ومقدرتش أسيبها غير لما خلصتها."
لم يُجب، فقط رفع كوب الشاي إلى شفتيه، وأخذ رشفة بطيئة، كأنّه يُحلّل ما قالته سطرًا سطرًا.
ثم وضع الكوب، ونظر إليها نظرة قصيرة و أمر :
ـ حاولي إنك ماتسهريش كثير عشان ما تتعبيش"
أومأت بصمت و أكملت أكلها بصمت
لم تكن "عشق" غريبة تمامًا عن هذا البيت، بل كانت فيه بالدم... لا بالترتيب.
فهي ابنة عمة آسر، جاءت إلى القصر بعد أن افترسها القدر، وسرق منها والديها في حادث سير لم يُبقِ لها من الحياة سوى اسم، وصندوق خشبي صغير يحمل ذكرياته...
كانت ذو ستة أشهر ...
لم تكن "عشق" تذكر والديها، فقد اختطفهما القدر وهي لا تزال رضيعةً في شهرها السادس، حين كانا يهمّان بالحضور إلى القصر لحضور زفاف أحد الأقارب.
لم يصلوا أبدًا.
انقلبت السيارة في طريق ريفيّ موحل، وابتلعت الأرض صوتهما إلى الأبد.
و كان هو أول من تلقى الخبر شابا يافعا ذو الثامنة عشر، عندما سمع بالحادث ليركض إتجاههما ...
للأسف عمته و زوجها لقيا حتفهما في الحين ... تعافر و هو يصرخ على الرجال الذين كانوا يعيقون سيره ... ليسمع صوت رضيعة تقاتل كي يخرجها ... و في لحظة غير محسوبة، غرزت قطعة زجاج حادة في ذراعه، فكتم صوت الألم، لكن لم تمنعه من مواصلة انقاذ عشق ... و في الأخير أخرج كتلة ملفوفة ببطانية وردية ناعمة، لا تدري ما الذي يحدث حولها تصرخ بشدة ...
التقطها بين يديه الملطختين بدمائه الغزيرة ... يحاول إسكاتها ... ثم حضرت الإسعاف بعد وقت طويل حاولوا الطقم الطبي حملها منه إلا أنه أبى ذلك باصرار غريب ... ليفضل الدخول معها في سيارة الاسعاف ...
فُحصت الرضيعة و رحمة الله و قدرته أنها لم تصب و لو بخدش صغير .... عندما إطمأن على سلامتها وافق أن يقطبوا جرحه الذي امتد بخط طويل على ذراعه الأيسر ...
و منذ ذلك اليوم أصبحت علاقة عشق بأسر علاقة وطيدة غريبة تتسم بالأبوة و حاجات أخرى ... فلم يكن يبخل عليها قط من حنانه و اهتمامه و عنايته ... و "تملكه"
كانت عشق طفلة شقية تملأ القصر بضحكاتها الحلوة ... تطرب أذنين أسر منذ كانت رضيعة كانت تنام في جناحه الخاص و لاأحد لم يكن مسؤول عنها و لا يسمح لأحد بالاقتراب منها حتى أمه ... فقد اعتبرها أمانة عنده ... علمها الحبو ... ثم المشي ... ثم النطق ... إلى أن وصلت سن السابعة خصص لها جناحا للأميرات خاصا لها و رغم عدم نومها معه كان يحضر لها كل يوم ... بعدما يكمل مسؤولياته ... و كلما كبرت زادت فتنتها ... و جمالا لدرجة أن آسر قرر أن عشق ستتلقى تعليم منزلي فكانت تحضر المعلمات فقط لتدريسها ... وكان لها القصر عبارة عن عالم مصغر لها ...
منذ أصبحت في عمر العاشرة تغيرت معالم القصر فأصبح هناك شق خاص بها فلا أحد من الخدم يستطيع النظر لها أو بالاحرى جنس ذكر لا معرفة ملامحها أو حتى خيالها فكانت تلعب و تمرح كيفما يحلو لها في حديقة ممتلئة بالكثير من أنواع الأزهار و الأشجار التي تحبها ... و عندما كانت طفلة بنى لها مدينة ملاهي لكي لا يحرمها من طفولتها ... إلى أن أصبحت شابة فتحولت ميولها من الألعاب الى قراءة الروايات ليجهز لها مكتبة كيفما تشتهي ....
كانت عشق جد سعيدة و تعتبر نفسها محظوظة جدا ...
الا أنه منذ أربع سنوات تغير آسر عليها أي منذ بلغت الرابعة عشرة تحول أسر من شخص مقرب لها الى شخص كأنه غريب ... ظل يحقق كل رغباتها و يهتم بها و لكن بعيد ... لا يعصي لها أمر ... و لكن من بعيد ... هي تشتاق لأحضانه و قبلاته فوق جبينها و يديها ... و عندما كان يحملها للفراش و يقرأ لها قصة قبل النوم ...
تنهدت و هي تسترجع وعيها للحاضر كانت مستلقية في فراشها ... ترتدي بيجامة قطعة واحدة تصل لمنتصف ساقيها من قماش الستان باللون الوردي المفضل لها ....
و تقرأ كالعادة رواية ... كانت رواية حزينة بعض الشيء و هي تصف البطلة اليتيمة ... أحست باشتياق لأمها و أبيها فرمت الرواية و هي تنفجر بالبكاء كم أرادت أن تكون لها أم حنون تضمها لصدرها و أب يلاعبها ..
لم تستطع التماسك أكثر، فنهضت بخطواتٍ هادئة، وكل زاوية في القصر تذكرها بأنّها ليست سوى يتيمة في هذا المكان الكبير.
توجهت نحو جناح آسر، قلب القصر وسيدها، ذلك الرجل الذي رغم برودته الظاهرة، يحتل جزءًا من عالمها الداخلي.
وقفت أمام الباب، أخذت نفسًا عميقًا، ثم طرقت بهدوء، تنتظر بين خوف و حنين أنه من كان يخفف أوجاعها ...
خرج آسر من الحمام، قطرات الماء تتناثر على صدره العريض الذي كان يشعّ بقوة صامتة.
عضلاته الممشوقة تتقاطع بانسيابية، تحمل في كل خط فيها قوة وسلطة لا تُقاوم، وكأن جسده يحكي قصة رجل لا يُقهَر.
خطواته الواثقة صدى في أرجاء الغرفة، ونظراته الثاقبة تخفي وراءها أسرارًا كثيرة، لكن صدقه في الصمت كان أكثر صدقًا من الكلمات.
كان بمثابة جبل شامخ، لا تحتاج للكثير لتشعر بحضوره، فقط رؤيته تكفي ليحكم الأمر بلا منازع...
تفاجأ بمن يدخل عليه جناحه فلا أحد يجرؤ على ذلك أما هي توقفت فجأة، عيناها اتسعتا بدهشة وخجل، وخفق قلبها بقوة غير معتادة.
#يتبع
تعليقات
إرسال تعليق