الفصل الثاني
خرج آسر من حمامه و يلف نفسه بمنشفة سوداء على خصره و الثانية يجفف شعره لقد كان يعطيها بظهره البرونزي .... تأملت ظهره العريض و طوله الفارع لطالمها كان أسر يمتاز بالجسد القوي فهو كان يحرص على لياقته ... فقد بنى غرفة كبيرة تحمل مجموعة هائلة من الالات الرياضية ...
أحس أسر بعبق نسمة الياسمين ليغمض عينيه و هو يشتم الهواء ... سمع خشخشة أنفاس ليلتفت بسرعة ...
توسعت نظرته من المفاجأة فقط كانت عشق تقف كجنية الإغراء ...
بلع ريقه و هو يشتت نظراته عنها بمنامتها التي تحدد منحاينتها المهلكة رفع عينه ليشهد لوحدة أبدع فيها الخالق ببشرتها البيضاء محمرة و شعرها الحريري المشعث قليلا الذي يصل ل ....
لم يستطع تدقيق أكثر ليصعد نظره لعينيها ... عياناها رمادية عاصفية مهلا مهلا عاصفية ... إنها تبكي ...
انتفض ليقترب منها مسرعا و هو يمسكها من ذراعيها و يحني ظهره كثيرا فقط كانت قصيرة عليه ...
سألها بنبرة يشوبها القلق:
"في إيه يا عشق مالك ..."
ارتعشت عشق من لمسة يديه الخشنة على ذراعها الناعم لتجيبه بصوت ناعم حزين :
"وحشوووني ...."
فقط كلمة لتكمل بكاءها بنياط مزق فؤاده فلم يستطع سوى تقريبها لصدره و يحضنها قريبا من فؤاده ...
لتستسلم لصدره برغم من قوته كصخرة صلبة الا أنها أحست بحنانه الذي لطالما أغدقها به
مر القليل من الوقت سامحا لها إفراغ حزنها فوق صدره العاري الذي تبلل بدموعها السخية ليبعدها عنه قليلا و هو يتأمل ملامحها التي أصبحت كتلة من الاحمرار
تنهد من مشاعره التي أوقدتها ليدفعها برفق و أجلسها على كنبته السوداء أمسك منديلا ثم ملأ كوبا من الماء و قدمها لها قائلا بصوت خشن :
" شششش نسكت دلوقتي و قولي لي إيه لي فكرك بيهم في الليلة دي .. بس قبل ده اشربي كوبايه الماية و امسحي دموعك ... انت عارفة اني بكره العياط .. و"
أكمل في قراره نفسه "أكره رؤية دموعك حبيبتي "
تناست المنديل لتمسح عينيها بيديها كما يفعل الأطفال فتحركت زوية فمه بشبه ابتسامة وهو يركز كيف شربت القليل من الماء فاختطف الكوب قبل أن تضعه فوق الطاولة الصغيرة و شرب من نفس الموضع الذي شربت منه محاولا إطفاء الجفاف الذي أحس به في حنجرته ....
تأملته عشق لتحمر خدودها و لم تعرف سببا لذلك هل لأنه شرب من نفس كوب الذي شربت منه أو من تركيز عينيه الحادة فيها نظراته تجزم أنها تلتقط كل حركة منها ...
تنحنح بصوته ليكمل :
"أحسن دلوقتي .."
أومأت بصوتها و هي تخفض وجهها لتحس بيديه و هو يرفع ذقنها لتنظر في عينيه ...
"سمعيني صوتك ."
قالت بصوت منخفض:
"أيوه، بقيت أحسن ..."
لتكمل قبل أن تخونها شجاعتها :
"أنا لما حسيت إني حزينة اول شخص فكرت فيك إنت علشان انت لي كنت بتطبطب عليا و ديما كنت بتقولي ماتعيطيش و أنا مش موجود و لما تحسي انك عايزة تعيطي تعالي لحضني ..."
تبسم و هو يتذكر تلك الكلمات
ففي مرحلة من عمرها كانت لاتزال صغيرة ذات ثمان سنوات ... تلعب مع ابنة خالة آسر التي كانت تكبرها بسنوات ....
و قد أخدت عنوة منها دميتها التي تحبها فهي أول دمية قدمها لها آسر في عيد ميلادها الأول فأمسكتها "سلمى " و عندما حاولت عشق إرجاعها لها دفعتها سلمى لتقع على الأرض بقوة و هي تقول لها كلمات مجرحة أنها يتيمة و أي شيء تملكه ليس لها الحق في امتلاكه لتكمل المشهد بكسر رجل الدمية و رميها أرضا ... صرخت عشق و هي تحمل الدمية لتركض لغرفتها تختبأ في الدولاب كعادتها عندما تحزن و عندما عاد أسر و رأها بهذا الشكل غضب و قلق عليها فأخبرته كل ما حصل لها هدأها و ذهب ليعاقب ابنة خالته ...
و عندما رجع ليبحث عنها وجدها في غرفته تبكي على سريره جرها و ضمها لصدره و هو يلقينها تلك الكلمات ....
عاد من ذكرياته و هو ينزل نظراته نحو عشق التي هدأت و كم فرحت أنها أحست بنفس الطمأنينة التي كانت تشعر بها نحو عندما كانت صغيرة ...
وقف و هو يمسك يدها صغيرة و في لحظة حملها لتطلق صرخة صغيرة هدهدها ثم أوصلها لغرفتها ... وضعها في السرير و كأن نفس المشهد يعاد ... اقترب منها ليطبع قبلة حانية على جبينها ... أطفأ النور و خرج من غرفتها بهدوء ...
تململت فوق سريرها لتنتهي ليلتها من حزن الى سعادة بوجودها في كنفه ....
صوت تأوهات يصدر خلف جدران الغرفة الموصدة امتزجت الأنفاس، واختلطت الآهات الراجفة بهدوء الليل، تنساب متقطّعة لتنتهي بصرخة قوية ...
انخفض من فوقها عندما أنهى جولته المحمومة لينقلب على ظهره اخدا سيجارة بين شفتيه ...
بينما لم تكلف المرأة نفسها بتغطية عريها بل فقط تعض شفتيها و هي تراه يقف بجسده الصلب الذي يبرق بعرقه ...
دخل للحمام ليضغط على مكبس الماء و هو يغمض عينيه ...
انهى حمامه ليخرج و يرى المرأة التي كان معها ...
زوجته التي تزوجها في السر ...
لقد كان اسر يحمل فحولة لا تنطفئ ... كان جسده يطلب القرب كما تطلب الأرض المطر ... تزوّج أكثر من مرة، لا ليرسو على ميناء، بل ليبحر في عوالم لا تنتهي..
و كلما اشتاق لجسد يفرغ فيه شحناته ... يتزوج من امرأة مثيرة ... و لم تكن تصعب عليه أي أنثى بل ترتمين تحت رجله ... و الحق يقال كل من تزوجها تشهد له كرمه و سخاءه سواء مالا او فراشا ...
سمر كانت اخر زيجاته السرية تعرف عليها ذات يوم و هو يعقد صفقة في احدى الحانات الراقية ...
كانت قد تعقبته منذ أن ولج المكان ... و هو لم يكن فتى غرا لكي لا يحس أنها ترسم عليه الاغواء ليصطادها ... تزوجها سرا و هاهي منذ ثلاثة أشهر كلما أرادها يحضر لها و تكون أكثر من مرحبة .... فطريقته الخشنة تذيب أية امرأة خلقت على وجه الأرض ...
التفت لتضع يديها على ظهره تتحسه و هي تقول بصوت ممحون :
"آسر حبيبي انا لسه ماشبعتش منك ..."
لم يلتفت لها ليكمل ترتيب ملابسه وقف أمام المرأة يرش عطره الفاخر ...
تأملت بذلته السوداء التي تكاد تتمزق بعضلاته
أكمل ترتيب شعره و هو يقول:
ماعنديش وقت ... الفلوس اللي انت عايزها خليتها ليكي فوق الطرابيزة ..."
بضع كلمات ألقاها و رحل ... لطالما كان هكذا قليل الكلام .... حتى علاقاته الحميمية لم تكن تتسم بالشاعرية القصوى ... فقط مايستدعي المدعبات لتكون له كالعجين يشكله كيفما اشتهى ...
نزل من سيارته الفاخرة بعدما فتح له الحارس وضع نظارته الشمسية و هو يلج شركته التي تقع في القاهرة من يعرفه ... يستطيع أن يقول أنه ذو شخصيتين ... شخصية سيد القرية بجلبابه ... و شخصية رجل الأعمال المخضرم الغامض ...
و لكن كانت فقط قشرة خارجية لكلا الشخصيتين فلاأحد يعلم ما يخبأه في قرارة نفسه ....
مر من أمام مكاتب موظفيه ليقوم الجميع يومئو ا جماعة بالتحية فقد تعودو على رئيسيهم الذي يحضر فجأة دون موعد مسبق لم يلتفت لهم بل أكمل خطواته المتزنه إلى أن وصل لمكتبه لتقف مساعدته ملقية عليه تحية الصباح :
- صباح الخير يا افندم حمد الله على السلامة "
أكملت كلامها و هي تهرول داخلة معه لمكتبه :
"أنا حضرتلك كل الأوراق الي هتحتاجها فاجتماع اليوم .. "
اقتربت منه لتضع الملف و هي تقلب الأوراق :
"ده ملخص المشروع و دي دراسة الجدوى ليه ... "
أومأ بالاستحسان قائلا بصوت رخيم :
"تمام روحي دلوقتي ..."
خرجت تغلق الباب وراءها و هي تزفر براحة لتلتحق بعملها ....
في بهو القصر الهادئ، حيث تتداخل رائحة الورد الجوري مع عبق الذكريات ... كانت عشق تجلس في البشرفة تتأمل الخضرة أمامها حتى دخلت "رُبى" بخطواتٍ خفيفة.
ـ "كنت متأكدة إنك هتبقي هنا..."
قالتها بنبرة دافئة، قبل أن تجلس إلى جوارها وتضع يدها على يدها.
أكملت ربى كلامها:
"مالك يا عشق سرحانة في إيه ؟ "
التفت لها و هي تبتسم ابتسامة خفيفة:
"مافيش انا كنت بس بتأمل برا "
لتغير الموضوع بتشوق مزيف:
" عملتي ايه فالجامعة ؟...."
اقتربت منها "رُبى" بخفة وجلست إلى جوارها، تمضغ قطعة شوكولاتة التي قدمتها لها عشق بهدوء وهي تبتسم:
"بصي، النهاردة في الجامعة كان عندنا محاضرة عن الفنون البصرية... الدكتورة كانت بتتكلم عن اللوحات اللي بتعبّر عن الكبت العاطفي، فكل البنات قلبوها دردشة عن الحب، وناس اتفضحت وناس اعترفت، وأنا كنت قاعدة أضحك لدرجة إن الدكتورة طردتني!"
ضحكت "عشق" بخفة، ثم سألتها بهدوء:
ـ "هو الجو ده بيبقى عامل إزاي؟ يعني... الجامعة، والزحمة، والصحاب، والدكاترة، والتمارين؟"
نظرت "رُبى" إليها بتمعّن، ثم وضعت ذراعها حول كتفها:
ـ " انتي تستاهلي تكوني هناك يا عشق... بجد. ده عالم تاني. حرية، ضحك، شد وجذب، ناس من كل شكل ولون. حتى التعب بيبقى حلو لما بيبقى معاهم."
أطرقت "عشق" برأسها قليلًا وهمست:
"أنا كنت بدرس لوحدي، قدامي ورق وجهاز ومعلّمة
ما كنتش بشوف فيها غير الجدّ. مفيش حد كنت أقدر أضحك معاه، أو أشتكي له، أو حتى ألبس هدوم المدرسة ."
ـ "بس إنتي كنتي بتنجحي، وبتتفوقي كمان!" قالتها "رُبى" محاولةً رفع معنوياتها.
لكن "عشق" أمالت رأسها بحزن:
ـ "كنت بنجح، بس عمري ما حسّيت إني أشوف الفرحة فعيون زمايلي البنات و احنا بنتنطط و نهنئ بعض ."
ساد صمت قصير، قبل أن تتمتم "رُبى" بحنان:
"على فكرة... مش متأخرة. لسه تقدري تعيشي كل ده. تقدري تدخلي الجامعة، أو تدرسي أي حاجة تحبيها، أو حتى تخرجي وتعيشي من غير ما تحسي إنك جوه سجن كبير اسمه 'القصر'."
ابتسمت "عشق" بسخرية:
ـ "هو أنا فعلاً في سجن... بس مش بس القصر اللي حبّسني."
ـ "قصدك آسر؟"
لم تُجب "عشق"، فقط نظرت إلى السماء من جديد، كأنها تبحث عن شيء ضاع منها منذ زمن، ثم همست:
" هو انا يا ربى أبقى قليلة الأصل لما أنكر كل حاجة عملها ليا هو حقق ليا كل أي بنت فالدنيا تحلم بيه."
شدّت "رُبى" يدها وقالت:
ـ " بس كل ده كان في القصر "
لكن "عشق" لم تُجب، فقط ابتسمت ابتسامة باهتة... وعيناها ما تزالان تلاحقان سماءً لا تجيب.
في الطابق الأخير من ناطحة السحاب، حيث تُغلف النوافذ الزجاجية المدينة كلوحةٍ معلّقة بين السماء والأرض، جلس آسر خلف مكتبه الفاخر، يراقب عقارب الساعة بإصغاءٍ لا يخلو من صبرٍ محسوب.
دقائق قليلة وفتح الباب بهدوء، فدخل رجل ثلاثيني ببدلة داكنة، يحمل في ملامحه خليطًا من الحذر والطموح. و بجانبه مساعدته و رجل أخر ربما يكةن ذراعه اليمين ... صافحه آسر دون أن يقف، ناظرًا إليه بنظرة ثابتة، كأنّه يزن وزنه قبل أن ينطق بكلمة.
قال الشريك المحتمل، بصوتٍ حاول أن يضفي عليه ثقةً:
ـ "تشرفنا، آسر. باشا تابعتُ نشاطاتكم مؤخّرًا وأعترف أنكم رقمٌ يصعب تجاوزه."
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي آسر، وقال بنبرةٍ هادئة، لكنها تنفذ إلى الأعماق:
ـ "الأرقام بتتغير، لكن المبدأ لا. قبل ما نتكلم عن الشراكة، عايز أفهم إيه لي هتضيفه ليا مش بس لشركتي "
صمتٌ خفيف أعقب الجملة، شعَر فيه الرجل أنّه لا يجلس أمام رجل أعمال فحسب، بل أمام مفترس يعرف متى يبتسم، ومتى يُنهك فريسته بالهدوء.
وضع آسر يده على الطاولة، واستند إلى الأمام قليلًا:
ـ "أنا مش ببرم صفقات... أنا أبسيطر على الأسواق. يعني لو كنت مش مستعد لده فالأفضل ما نضيعش الوقت."
ارتبك الطرف الآخر للحظة، ثم تمالك نفسه. التفت كل من " خالد صفوت " لمحاميه و قد فهم منذ تلك الدقيقة أن هذا الاجتماع لن يكون مجرّد محادثة، بل معركة ذكاء، لا يخرج منها إلا من يعرف متى يتحدث... ومتى يلوذ بالصمت.
تنحنح الرجل قليلًا، ثم فتح الحقيبة الجلدية التي وضعها جانبًا، وأخرج منها ملفًّا أنيقًا، وضعه أمام آسر بتردّد محسوب.
ـ "الصفقة باختصار، بتتعلّق بسلسلة فنادق جديدة على الساحل. الموقع استراتيجي، والتمويل جاهز من جهتنا. احنا بس بندور على اسم قوي بيقود الواجهة... اسم يفتح الأبواب المغلقة، ويمنح المشروع ثقله الحقيقي."
لم يحرّك آسر ساكنًا. ظلّ يتأمل الملف دون أن يلمسه، قبل أن يرفع عينيه نحوه قائلًا بهدوء:
ـ "اسم قوي؟ أو واجهة تتخفو وراها ؟"
ارتبك الشريك للحظة، ثم تدارك قائلاً:
ـ "بالعكس تمامًا... نحن هنكون شركا، والمكسب هيكون للكل . أرباح المشروع تُقدّر بعشرات الملايين في ثلاث سنين بس . والأرض، بالمناسبة، مملوكة لعمي، و نقدر انبدأ فورًا بعد ما توقع العقد."
أسند آسر ظهره إلى المقعد، وعقد ذراعيه أمام صدره، ثم قال بنبرة عميقة:
ـ "و فين الخدعة؟ مافيش صفقة مافيهاش ثغرة."
هزّ الشريك رأسه بإصرار، وقال:
ـ " مافيش خدعة... فقط مخاطرة بسيطة بتتعلّق بالرخصة البيئية. بعض الإجراءات لسه ما كملتش بعد، لكننا في طريقنا نخلصها ."
ابتسم آسر أخيرًا، ابتسامة لا يُدرى إن كانت رضا أم سخرية، ثم قال:
ـ " بس مخاطرة بسيطة... تقدر تغرقنا في قضايا لسنوات. لكن مافيش مانع ... أنا هدرس الملف، وإذا لقيت أن رائحتكم ما أزعجتنيش ، هنكمل الحديث ."
أغلق الملف بهدوء، ومرّر أصابعه عليه كما لو كان يختبر ثقله، ثم أضاف:
ـ " بس افتكر كويس ... لما بحط اسمي على شيء، يا إما بيعلى للقمة... أو بسقطه بيدي."
ساد صمت كثيف، كأن الغرفة قد امتلأت فجأة بهيبة لا تُقاوَم.
ثم نهض آسر من مجلسه، وأشار بخفّة إلى الباب:
ـ " خلي لي الملف. و هيوصلك ردّي قريب ."
خرج الشريك بخطى متردّدة، فيما بقي آسر واقفًا، يحدّق إلى المدينة من خلف الزجاج، كمن يخطّط للضربة التالية... بدقّة جراح، وقسوة ملك.
# يتبع
تعليقات
إرسال تعليق