الفصل الثالث

 في أحد أركان المدينة، حيث تتقاطع أضواء السيارات مع أضواء المباني اللامعة، توقّفت سيارة سوداء فاخرة أمام مدخل حانة راقية، يعجّ مدخلها برجال أنيقين ونساء بملابس لامعة وهمساتٍ لا تخلو من الغواية.


ترجّل "آسر" من السيارة بخطاه الرزينة، يرتدي قميصًا أسود يُبرز لون بشرته البرونزية، وسترة من الحرير الخفيف. لم يُطل النظر حوله، كأنّ المكان يعرفه... أو ملكه.


عند دخوله، علت همسات خافتة من بعض الطاولات، لكنه لم يُعرها اهتمامًا. نظر بعينيه البنيتين في أرجاء الحانة حتى وجد صديقه جالسًا إلى طاولة في الزاوية، يعبث بكأسه بينما يتحدّث إلى فتاة تضحك بتصنّع.


تقدّم آسر، جلس أمامه دون أن يسلّم، فقط أشار للنادل بحركة خفيفة:


ـ "كالعادة."


قال صديقه، باسماً: 


ـ "ده اللي ناقص... تحرجني قدّام المزز  كمان."


أجابه آسر بهدوء لاذع:


ـ " مزز  إنت  جايب معاك مهرّجة ، مسميها مزز"


ضحكت الفتاة في توتر، ثم انسحبت بعد نظرة من آسر، وكأنّ عينيه كانتا أمراً لا يُرفض.


ـ "إنت ما بتتغيرش أبداً يا آسر..."


قالها صديقه وهو يحرّك كأسه.


أجاب آسر، وقد أسند ظهره إلى المقعد:


ـ "اللي بيغيره الناس بيتكسر. وأنا مش ناقص تلميع."


لم يردّ آسر، فقط مدّ يده إلى الكأس أمامه، ارتشف رشفة هادئة.


استند صديقه إلى الطاولة، ثم قال:


ـ "ما كنتش ضامن  إنك هتجي  النهاردة. بعد ما اتصلت بيك "


أجابه آسر ببرود:


ـ " حسيت بالملل ... "


استهزأ وليد من كلامه ليخبط على فخده بمرواغة :


"أومال "مراتك" راحت فين اوعي تقولي طلقتها "


التفت له آسر بنظرات محذرة ثم ارتشف  من كأسه : 


"ماليش مزاج ... "


ابتسم صديقه، بعينين لامعتين من الفضول: 


ـ "طب إيه رأيك في اللي قاعدة هناك؟ باين عليها نوعك."


رفع آسر عينيه ببطء، نظر إلى الفتاة التي أشار إليها صديقه، ثم أعاد النظر إليه وقال ببرود:


ـ "ما بحبش العيون اللي بتبص كتير حوالين الواحد ."


ضحك صديقه:


ـ "من إمتى بقيت تدوّر على العيون الهادية؟ مش إنت اللي دايمًا تقول العين الجريئة نص الطريق؟"


لم يبتسم آسر، فقط ضغط على كأسه وقال بنبرة هادئة لكنها قاطعة: 


ـ "في عيون واحدة الي عاوزها و لو حد غيري بص لها، هتبقى جريمة."


سكت صديقه، تأمّله قليلًا، ثم قال ممازحًا:


ـ "واضح إن في حاجة متغيّرة فيك النهاردة ... 


لم يرد آسر، اكتفى بالنظر إلى السائل في الكأس وكأنه يرى فيه انعكاسًا لا يريد أن يعترف به... ثم نهض فجأة:


ـ "الجو هنا  بدأ يزعجني ... لو عايز تكمل، كمل. أنا راجع."


صديقه صاح مازحًا:


ـ "هو  إنت لحقت تقعد ؟!"


رد آسر دون أن يلتفت:


ـ "اللي عايزني... بيلحقني، مش بيستناني."


وغادر الحانة بخطى ثابتة، بينما في صدره شيء يغلي... غير واضح، غير منطوق، لكنه كان هناك... يشتعل.

في ساعةٍ متأخرة من الليل، توقّفت سيارة "آسر" أمام عمارة هادئة في أحد أحياء القاهرة الراقية. لم يكن المكان يشي بشيء استثنائي،  فقط مبنى راقي ، لكنّه يخفي سرًّا واحدًا: شقّته.


صعد  في المصعد   خطواته المتعبة لا تعكس تعب الجسد، بل ثقل شيء أعمق... شيء لا يُقال.


فتح الباب بمفتاحه الخاص، دخل دون أن يصدر صوتًا.

ضوء خافت في الزاوية، ورائحة  عطر نسائي ثقيل و ليس عبق  الياسمين  خاصته .


كانت هي جالسة على الأريكة،  ترتدي قميصًا حريريًا خفيفًا في اللون الأحمر و ليس الوردي الذي تفضله ، شعرها الطويل مُرسل على كتفيها واسعًا،  و لكنه ليس الطويل  الحريري الذي يشبه الليل  . رفعت عينيها السودويتان  نحوه، وقالت بصوت منخفض:


ـ "انت رجعت يا حبيبي ."


أغلق الباب خلفه، خلع ساعته ووضعها على الطاولة، ثم قال دون أن ينظر إليها:


ـ " انت لسه صاحية ليه "


ـ " مستنياك ؟"


جلس بصمت، فكّ أزرار قميصه، وأخرج سيجارة من جيبه لكنه لم يشعلها.


قالت بنبرة مكسورة:


ـ "أنا مش هسألك كنت فين، ولا مع مين... بس تعبت من العيشة دي،  يا آسر."


رفع نظره إليها، عيناه داكنتان، مرهقتان، لكن حادّتان كالسيف:


ـ "إحنا اتفقنا من الأول... الجواز ده له شروط. لا أسئلة، لا مطالب. إنتي هنا علشان أرتاح ... مش علشان أتحاسب."


ـ "وإنت فاكر إن الست اللي بتستناك طول الليل، ومحدش يعرف بوجودها، مش من حقها ترتاح ؟"


لم يجبها لكنه بدأ يمل من هذه الأسطونة التي تلاحقها به منذ حوالي شهر 


وقف، اقترب منها، أراد ان ينهي هذه المهزلة ففي قواعده  لا وجود للقيود  احست من خلال عينيه أنها تخاطر 


تراجعت بكلمة واحدة: 


ـ "أنا... بحبك."


نظر إليها طويلًا، ثم همس بسخرية:


ـ "حب؟ الحب مابيتخبّاش في شقة، ولا بيتعاش في الضلمة."


ثم تركها، واتجه إلى الحمّام دون أن يضيف شيئًا، فيما بقيت هي في مكانها، تحت ضوء الخافت، تنظر إلى الباب المغلق... وكأن كل ما فيها ينتظر أن يُفتَح.



كان الفجر على وشك أن يتسلّل من خلف الأشجار العالية التي تحيط بالقصر، حين توقّفت سيارة "آسر" عند البوّابة الحديدية الثقيلة. أخرج المفتاح الخاص، فُتحت البوابة ببطء، وكأنها تتأفّف من عودته في هذا الوقت.


قاد السيارة داخل الساحة الأمامية، أطفأ المحرّك دون استعجال، ثم ترجّل منها بخطى بطيئة، يطغى عليها التعب... أو شيء آخر لا اسم له.


السكينة المخيفة في القصر لم تكن راحة، بل صمتًا يُشبِه العتاب.


دخل من الباب الجانبي المعتاد، الذي اعتاد أن يتسلل منه حين لا يريد أن يُرى. كان الممر مظلمًا، لم يُضِئ شيئًا. يعرف طريقه عن ظهر قلب.


صعد الدرج بهدوء. عند منتصفه، توقّف فجأة.


من بعيد، لمح نورًا خافتًا يأتي من أسفل الباب في نهاية الردهة. خفَّت أنفاسه للحظة. كان يعرف تمامًا أي باب ذاك.


غرفتها...


تجمّدت قدماه، كأنّه لم يكن يتوقّع أن تكون مستيقظة، رغم أنه يعلم أنها لا تنام بسهولة.


همس لنفسه وهو يشيح بوجهه عنها:


ـ "صاحيالي دلوقتي؟ ولا مستنياني؟..."


كزّ على فكه، هل يضحك على نفسه ام يمني نفسه لو كانت فعلا تنتظره  و هو على علم أنها من المؤكد تقرأ إحدى رواياتها التي يكرهها فهي تحبها و من المفروض هذا التعلق له وحده و هو لا يريد شيء تتعلق به " سواه " ...  تابع طريقه بصمت، متجاهلًا كل الأصوات التي تصرخ داخله. دخل جناحه الخاص، أغلق الباب خلفه بقوة خفيفة، خلع قميصه وألقاه أرضًا، ثم أسند ظهره إلى الباب، يتنفّس ببطء، كأن القصر كله يخنقه.


في هذه اللحظة، لم يكن في جسده إلا تعب، ولا في قلبه إلا قلقٌ غامض... قلق لا يشبه شيئًا عاشه من قبل.


مشّى يده في شعره بعصبية، ثم جلس على حافة سريره، يداه على ركبتيه، ينظر إلى الأرض طويلاً... إلى نفس البلاط الذي كان يركض عليه طفلًا.


ثم همس، بصوت بالكاد يُسمَع:


ـ "و بعدين؟..."


لم يُجب عليه أحد، لكن قلبه كان يعرف... أنها خلف ذلك الباب... مستيقظة...  


                     🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸


أشرقت شمس الصباح على القصر، وانعكست خيوطها الذهبية على النوافذ الكبيرة، لتوقظ أرجاء المكان بنورٍ هادئ... لكن "عشق" كانت قد استيقظت قبل أن يفيق الضوء.


نهضت من فراشها  فهي سهرت طوال الليل تقرأ روايتها الرومانسية ،  و لم تنم سوى ساعتين بدت عيناها مُنهكتين، كأن الليل لم يمنحها غير التخيل كم تتمنى أن تعيش قصة حب كما يعيشها الأبطال تتلوع بخصام الحبيبين و تذوب من غيرة الحبيب  عضت شفتيها  عندما تذكرت مشهد يجمع البطل و البطلة و هو يبثها حبه .... 

رجت عقلها كي تمحي ذلك المشهد الساخن  ...  ارتدت فستانًا بسيطًا بلون هادئ، الى أنه فوق منحيانتها  الدسمة يصبح مغري  لطالما كرهت وزنها  و كم أرادت ان تقوم بحمية  الا أنها تراجعت عن الفكرة فعندما علم آسر من الدادة حليمة ذلك بعث لها برسالة معاها أنها إذا أهملت احدى وجباتها سوف يعاقبها  تنهدت ثم أكملت  تصفيف  شعرها بعناية، ثم خرجت من الغرفة بخطى حذرة.


كانت تعرف جيدًا أوقات ظهوره، فتجنّبت الممرّات التي قد يمرّ بها، وابتعدت عن صالة الطعام في الوقت المعتاد.

حين وصلت إلى الحديقة الخلفية  سمعت أصوات الأحصنة فتحمست كثيرا ... لطالما عشقت ركوب الخيل و قد كان أسر يحملها معه عندما كانت صغيرة حين امتطائه حصانه رعد  ... 


تقدمت و هي تقفز بسعادة : 


"صباح الخير يا رعد ازايك وحشني ... "


صهل الحصان  ترحيبا لها لتقترب و هي تربت على عنقه بسعادة : 


  "أنا فرحانة إنك افتكرتني  بقالي كتير ماركبتش فوقك " 


قبلته  و أكملت طريقها في الاسطبل  لتكمل جولتها،  فجأة  لمعت  عينيها لتجد  حصان لونه أبيض  يبدو عليه التمرد ، لا يقَيّد  بقيودُ الركود ولا يهدأ جدران الحظيرة. عيناه اللامعتان تتوهجان بجمر التحدي، كأنهما مرآةٌ تعكس روحه الحرة التي لا تُروى.


بينما كانت عشق تحاول  لمس بلطف عنق الحصان ، ظهر من وراء باب الإسطبل شابٌ في أوائل العشرينات، يحمل دلواً من الماء، وجهه مُشرق بابتسامة خفيفة، وعيناه تحملان دفء غير معتاد.


قال بصوت منخفض كي لا يُزعج الهدوء:


ـ "صباح الخير يا هانم، الفرسة  محتاجة  تتروض ،."


انتفضت عشق من صوت ذلك الشاب فهي ليست معتادة على التكلم مع أحد خصوصا الرجال  التفتت له خائفة بينما هو فتح فمه  من هول ما رأه فقد كانت حورية  من الجنة ... 


انبهر بجمالها : 


" هو انتي حور العين ..." 


خجلت عشق من كلامه و حاولت الخروج لي يبسط   يده  دون لمسها قائلا: 


" ماتخافيش  انا سعيد السايس .. دايمًا بعتني بالخيول هنا ."


حاولت تهدئة نفسها فيبدو على محياه انه شخص طيب 


وقف بجانبها، نظرت إليه بنظرة هادئة وقالت:


ـ "إنت هنا من زمان؟"


هز رأسه بهدوء:


ـ "أيوة، من وأنا صغير، الإسطبل هو بيتي التاني."


تبادل الاثنان نظرات صامتة لبضع لحظات، ثم قال  سعيد :


ـ "لو احتجتي أي حاجة، أو  تركبي خيل انا تحت امرك" 


أومأت له وهي تلتفت  لتتوقف قليلا عندما أكمل كلامه : 


" هو حضرتك مين ؟  " 


لم تجبه لتركض بسرعة نحو جناحها خصوصا أنها تأخرت و ربما يأتي أسر و حينها  سيقتلها .... 






في غرفة النوم الفسيحة ذات الجدران المظلمة، وقف "جابر " و"رقية "  زوجته في وجه بعضهما، عيونهم تشتعل بغضب ، فقط صوت التصادم بين الكلمات يملأ المكان.

لتصرخ رقية في زوج زوجها :


" لحد إيمتى  هفضل بعيدة عن ابني " 


تأفأف جابر من أسطوانة زوجته  التي تعيدها كل يوم : 


" يووووه يا رقية مش هنخلص من الموضوع ده  ماله ابنك  ماهو بيشتغل و راجل و كلما بتعوزي بتسافري تقعدي معاه يبقى ايه النكد " 


صرخت رقية  بدون تصديق :


"نكد  ؟؟؟؟؟!!!  انت لحد ايمتى هطاطي لإبن اخوك الي يأمر بيه لازم يتنفذ ... انا عايزة ابني هنا فحضني مش منبوذ كإنو عامل عملة" 


لتتابع  بصوت يملأه الغل: 


" و كل ده علشان السنيووووورة  " 


استنكر جابر كلام  زوجته قائلا : 


" انت بتخرفي تقولي ايه سنيورا ميين  ؟ثم تعالي هنا يا جاحدة   لما ابنك يمسك شركة  قد الدنيا في أمريكا و يبقى المدير بتعتها و  فيلا فخمة و فلوس متلتلة  كل ده و بطاطي ليه  " 


استهزأت من حججه الواهية بالنسبة لها  لتقول: 


"كل ده الي بتقوله  تحت امرة ابن اخوك حتى لو ممسكه كل حاجة الشركة بتاعت اسر يعني ابنك  شغال عند ابن اخوك  ... " 


نفض جابر ملابسه : 


" يوووووه   على الصبح  انت بينك كبرتي و خرفتي و انا مش حمل مناهدة على الصبح أنا نازل  "


ليغلق باب جناحه  بدوي  مرتفع ،  جلست رقية فوق الكنبة تأكل اظافرها من الغيظ : 


" بخرف  ده انت لو أعمى  هتشوف  ازاي ملهوف عليها  و نفسه يحطها ف قمقم   " 


ضربت   طرف الكنبة بغل لتكمل و هي تكز على  أسنانها:  


" بس ما بقاش رقية  ان ماخليت ابني يرجع و كمان ياخد حقه ما أنا مش هخلي  بنت سماح تكوش على كله " 

و هي تنظر الى بعيد يبدو على ملامحها القبح ، قبح يغلفه قلبها  غير حامدة ربها على النعم التي بين يديها 


                      🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸


دخلت السيدة عايدة، أم آسر، بهدوئها المعتاد، ترتدي فستانا محتشما وعقدًا من اللؤلؤ، تحمل بين يديها صينية صغيرة عليها كوب من الماء الدافئ وبعض الأوراق.


ـ "صباح الخير يا عشق، صاحية بدري مش من عادتك ."


رفعت عشق عينيها وابتسمت بلطف: 


ـ "صباح النور يا طنط عايدة... الجو جميل النهاردة."


جلست السيدة عايدة على الكرسي المقابل، وضعت الصينية أمامها وقالت:


ـ "قلت أراجع شوية أوراق قبل ما يبدأ اليوم يجري ... وانتي؟ بتطرّزي؟"


نظرت عشق إلى ما بين يديها:


ـ "أيوه، بحاول أكمّل اللي كنت بدأته من أسبوع... بس الخيط مش متعاون معايا خالص."


ضحكت عايدة بخفة: 


ـ "الخيط؟ ولا المزاج؟"


ابتسمت عشق بخجل: 


ـ "الاتنين يمكن."


" تعرفي انك بتشبهي مامتك ،هي كمان بتحب التطريز  و كانت بتطرز حاجات تحفة "


امتلأت عينين عشق بالحنين و هي تقول: 


" انت قلتي لي  الكلام ده قبل كده، علشان كده حبيت اني اتعلم التطريز و اسر جابلي احسن مطرزة في البلد تديني دروس فيه " 


مدّت السيدة عايدة يدها وأخذت القطعة القماشية، نظرت إليها بعين خبيرة:


ـ "إيدك خفيفة، بس محتاجة شوية صبر... الطرّازة دي زَيّ الحياة، كل غلطة بنصلّحها، وكل صبر بيدي نتيجة حلوة."


قالت عشق بهدوء: 


ـ "كلامك دايمًا بيريّحني."


نظرت إليها عايدة بحنو:


ـ "دايماً اعتبريني أمّك يا عشق، أنتي بنتي من  يوم يومك، ومكانك جوّه القلب."


ابتسمت عشق، ونظرت نحو النافذة، تراقب أوراق الشجر وهي تهتز برقة في نسيم الصباح، ثم قالت:


ـ "أنا بحب القعدة دي... بتحسسني بالراحة."


ردّت السيدة عايدة: 


ـ "وأنا بحب وجودك، لأنه بيملا البيت دفء."


وساد بينهما صمت لطيف، خالٍ من التكلّف، كأن كل واحدة منهما وجدت في الأخرى شيئًا مريحًا... دون الحاجة للشرح.


قطعت أنفاس اللحظة... خطوات ثقيلة تقترب.

قبل أن تُفتح الباب، رفعت عايدة نظرها، بينما توقفت "عشق" عن التطريز تلقائيًا.


دُفع الباب بهدوء.


ودخل آسر.

وقف عند العتبة بثيابه الداكنة، قميص مفتوح الزر العلوي، شعره مبعثر قليلًا كعادته، ونظرة غامضة ثابتة في عينيه.


قال بصوت هادئ، لكنه غير خالٍ من نبرة السيطرة:


ـ "صباح الخير."


ردّت عايدة بابتسامة:


ـ "صباح النور، يا ابني...  انت جيت ايمتى من القاهرة  ."


أما عشق، فخفضت بصرها بسرعة، ثم همست:


ـ "صباح الخير."


نظر إليها للحظة، طويلة، صامتة، كأنّه نسي لماذا دخل.


اقترب قليلًا وقال:


ـ "  جيت و الفجر قرب يدخل ."


أشارت له عايدة نحو الكرسي: 


ـ "طب تعالى، اقعد شوية. كنت بحكي لعشق عن تطريزها اللي محتاج صبر."


ردّ آسر بنبرة شبه غامضة :


ـ "هي بطبعها صبورة... أوي كمان. ياريت كنت زيها "


توترت عشق للحظة، وشعرت بأن كلماته تخفي شيئًا لا تفهمه، فأخذت إبرتها مجددًا، تحاول أن تتظاهر بالانشغال.


قالت عايدة بنبرة متوازنة، تحاول كسر ذلك الثقل: 


"إنت فطرت؟"


ردّ آسر دون أن يُبعد عينيه عن عشق: 


"لا.. ماليش نفس."


ثم نظر إلى عشق وسأل ببرود:


ـ "إنتي فطرتي؟"


ترددت، ثم ردّت دون أن ترفع عينيها:


ـ "أيوه، من شوية."


قال آسر وهو يتراجع خطوة نحو الباب:


ـ "تمام..."


ثم أضاف فجأة، بصوت هادئ لكنه قاطع: 


ـ "لو خلصتي  يا أمي الي في ايدك ، عايزك شوية "


ما إن غرست عشق الإبرة في قطعة القماش حتى زلّت يدها دون قصد، وغرست الإبرة في طرف إصبعها.

شهقت بصوت خافت:


ـ "آه!"


قطرة دم صغيرة ظهرت فورًا، لكن المفاجأة لم تكن في الألم...

بل في أن باب الغرفة فُتح فجأة.


كان آسر لا يزال قريبًا... أو ربما لم يبتعد أصلًا.

دخل بسرعة وكأن الصوت سحبه قسرًا، عيناه تتفحّصان وجهها أولًا، ثم يدها.


قال بحدّة، دون تفكير:


ـ "إيه اللي حصل؟!"


فأجابته السيدة عايدة بهدوء: 


ـ "بس غرست الإبرة في صبعها... حاجة بسيطة."


اقترب آسر رغمًا عنه، انحنى قليلًا بجانب عشق، نظر إلى إصبعها الصغير الذي نزف قليلًا، ثم أمسك يدها دون إذن، بعصبية لم يستطع إخفاءها.


ـ "بتقعدي تطرّزي ليه لو مش مركّزة ما تخلينيش أعاقبك ؟!"


قالها بنبرة حادة، لكنها محمّلة بالقلق أكثر من الغضب.


همست عشق، متفاجئة من قربه المفاجئ:


ـ "أنا بخير... حاجة بسيطة."


قال بعينين غاضبتين وصوت خافت: 


ـ "بسيطة؟ الدم ده بسيط؟"


مص أصبعها لتشهق بمفاجأة  ثم أخرج منديله من جيبه، ولفّه بسرعة على إصبعها، دون أن يترك لها فرصة للاعتراض، بينما قلبه ياخفق بطريقة لا تناسب بروده الظاهر.


السيدة عايدة، التي كانت تراقب المشهد بصمت، رفعت حاجبًا بخفة، ولم تقل شيئًا... لكنها ابتسمت في سرّها.


قال آسر أخيرًا وهو يترك يدها: 


ـ "خلي بالك من نفسك... مش كل حاجة بتتصلّح بإبرة وخيط."


ثم نهض، وخرج مجددًا، هذه المرة بخطوات أثقل... وكأنه هارب من شيء أكبر من الجرح.


أما عشق... فبقيت تحدّق في المنديل الملفوف على إصبعها، وقلبها ينبض بإيقاع مختلف تمامًا.


يتبع 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفصل الأول

آسير العشق

الفصل الرابع